يوسف بن يحيى الصنعاني

136

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

دينار فقال له : هذه لك على أن تأذن لي بالمسير إلى العرج والمبيت به وأغلّس « 1 » عليك ، على أن تكتم ذلك من سكينة ، فأذن له وحلف على كتمان الأمر ، فما سار قدر نصف ميل حتى وثب أشعب إلى خرسة فأسرجه بسرجه الحفيل ولبس الحلّة ، وتطيّب بالطيب ، ومضى إلى الحي الذين كانوا بإزائهم ، وكان رجالهم غيبا فأقام في محادثة النساء إلى العصر ، ثم انصرف رجال الحي من وجهتهم فأقبلوا يمرّون عليه فيقولون : من الرجل ؟ فينتسب في نسب زيد ، فيقولون : ما نرى بأسا ، إلى أن مرّ عليه شيخ فان على حجرة هرمة فأخبره كما أخبر غيره . قال أشعب : ثم رأيت الشيخ قد وقف ووضع يده اليسرى تحت حاجبه وجعل يتفرّس فيّ فأوحشت منه ، فاستويت على الفرس فسمعته يقول : أقسم باللّه ما هذا بوجه قرشيّ ، وما هذا إلّا وجه عبد ، فركبت الفرس وهو يتبعني ويقول : من أنت ؟ فلما أيس من اللحاق أخرج سهما فرماني ، فوقع في مؤخر السرج فكسره ، ودخلتني روعة أحدثت لها في الحلة ، ووافيت الرجل وقد غشي الظلام فغسلت الحلة ونشرتها فلم يجف ، وغلس زيد من العرج فرأى الحلة مغسولة والسرج مكسورا ، والفرس قد أضرّ به الركض وسقط الطيب مخضوضا ، فسألني فصدقته ، وقال : ويحك ما كفى ما فعلت بي حتى انتسبت في نسبي فجعلتني حباشا « 2 » عند أشراف قوم من العرب وسكت عني . فلما قفلنا سألته سكينة عن خبره ، فقال : يا بنت رسول اللّه وما سؤالك إيّاي هذا ثقتك فسليه ، فأخبر بها إني لم أنكر عليه شيئا ولم أطلق له الاجتياز بالعرج ، وحلفت لها بالأيمان المحرجة وبالطلاق ، فلما فرغت قام بين يديها وقال : واللّه يا بنت رسول اللّه لقد كذبك العلج ، ولقد أخذ مني أربعمائة دينار إلى أن أذن لي بالمبيت بالعرج والمقام بها يوما وليلة ، وغشيت به عدّة من جوارييّ وأنا تائب مما كان مني ، وقد وهبتهن لك وهنّ موافيات الليلة ، وأنت أعلم بما ترين في عبد السوء . قال أشعب : فأمرتني بإحضار الأربعمائة دينار واشترت بالجميع بيضا وتبنا

--> ( 1 ) غلس عليه : ذهب إليه في الغلس ، والغلس ظلمة آخر الليل ، والجمع أغلاس . ( 2 ) في الأغاني : « جماشا » . والجمش : المغازلة ، ضرب بقرص ولعب ، وقد جمّشه وهو يجمّشها أي يقرصها ويلاعبها ، والجمّاش الذي يغازل النساء ويلاعبهن ، والتجميش ، المغازلة « لسان العرب : مادة جمش » .